علم النفس الإداري هو أحد فروع علم النفس الحديث الذي يهتم بدراسة السلوك البشري في المجال الإداري ومشاكله ومعوقاته وجوانبه المختلفة، وهو من العلوم الذي يفتقدها العديد من أصحاب المناصب الإدارية حيث برزت ثقافه «التَّمَاهِي» في العديد من الإدارات الحكومية والأهلية العامة والخاصة نتيجة لما تسببه «هالة المنصب»، خصوصا لأولئك الذين يعانون من امراض نفسية وانفصام في الشخصية. التَّمَاهِي عَرِّفُهُ عُلماء النفس بأنه «سَيْرُورَة سيكولوجية في بناء الشخصية، تبدأ من المحاكاة اللاشعورية، وتتلاحق بالتمثيل ثم الاجتياف (الاستدخال أو التَّقَمُّص) للنموذج».

ثقافة «التَّمَاهِي» حالة متنامية في نفس المدير المتسلط المستبد المصاب بهلوسة نفسية بسبب عدم توازن الحالة النفسية «حالات الانهزام الداخلي» مع محيطه الاجتماعي، حيث يتمثل له أنه أصبح فوق الجميع لا يفوض السلطات فهو لا يثق إلا في قدراته، وهو صاحب السلطة الآن ولا يحق لأحد مراجعته والطعن في قراراته وأنه ملهم معصوم من المساءلة والمراجعة على قراراته وأفعاله وله وحده الصلاحية لاتخاذ القرار فلسان حاله «التَّمَاهِي».

ثقافة «التَّمَاهِي»، ثقافة متجذرة في عقل كل مدير جديد ينسف إنجازات سلفه يسعى الى طمس اسهامات الموظفين المخلصين المبدعين يعتقد أنه صاحب رسالة حقيقية يغير الهيكل التنظيمي ليترك بصمة يعزل منافسيه او يختزل مفردات العمل بذاته فهو مصدر السلطات جميعا.

ثقافة «التَّمَاهِي» هي سياسة كل مسؤول تم اختياره بعيداً عن الكفاءة والجدارة فيصول ويجول يظلم ويهمش ويجمد الكفاءات ثم يُحَال للتقاعد بناءً على طلبه «بعد خراب مالطا».

ثقافة «التَّمَاهِي» فقط خُذ ونفذ. لقدرته الفذة على رؤية المستقبل وجميع الموظفين باختلاف مسمياتهم الوظيفية مجرد منفذين لتوجيهاته وأفكاره،فلا مجال لمخالفته ولابد من طاعته وهذا الحق المطلق لمفهوم المدير الجديد.

ثقافة «التَّمَاهِي» هي مرحلة متقدمة من جنون العظمة حينما يعتقد المدير في نفسه الشعور بتضخم الذات على مستوى مبالغ فيه بانه الأوحد والأفضل والاكمل والأكثر فهما وخبرة ومقدرة فوجوده انقاذ للإدارة وحماية للموظفين وانه «هبة السماء».

ثقافة «التَّمَاهِي» هي ساهمت في تردي الأوضاع في الإدارات وتزايد المشكلات في المحاكم وانعدام الإنجازات وانتشار الفساد الإداري والمحسوبية والبطالة والرشوة وصدور القرارات الظالمة وسحب الصلاحيات وتجميد الموظفين المبدعين وتنامي ظاهرة الهروب الوظيفي وتفشي ظاهرة ضعف الشعور بالأمن الوظيفي.

ثقافة «التَّمَاهِي» يجب ازالتها من نفوس بعض المديرين الذين تسلقوا المناصب القيادية بـ «الباراشوت» النيابي من خلال ادخالهم في دورات تدريبية تأهيلية «نفسية وادارية» واخضاعهم لسلطة القانون ومحاسبتهم، قولاً وعملاً وفكراً.

بدر رشيد العرادة

* كبير اختصاصي اجتماعي

المصدر : الراي العام